التاريخ الإسلامي

اين غلبت الروم

من هم الروم

الروم المذكورون في قول الله (غُلبت الروم) هم الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) ذات المذهب الأرثوذكسي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أولاً يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ.

قصة غُلِبَتِ الروم

إن آيات القرآن الكريم تتجلى بالإعجاز العلمي الذي تذخر به الآيات الكريمة ؛ العديد والعديد من الأمور والقضايا التي لم يكتشفها العلم الحديث إلا مؤخرًا ؛ وقد ذكرها القرآن الكريم منذ مئات السنين .

من بين القضايا الهامة التي تحدث عنها القرآن الكريم قضية الروم وهزيمتهم ثم نصرهم فيما بعد ؛ حيث ورد في الآيات الكريمة “غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿3﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿4﴾”

تحدثت كتب التاريخ عن المعركة بين الفرس والإمبراطورية البيزنطية التي تشير إلى الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية بالقرب من البصرة والبحر الميت ؛ والتي انتهت بنصر الفرس آنذاك ؛ لقد تلقى الرومان ضربة حادة في تلك المعركة الشرسة ؛ مما جعل الجميع يتوقع سقوط مملكة الرومان في ذلك الوقت .

والمفاجأة أن الرومان انشغلوا بمعركة أخرى فيما بعد ؛ حيث هزموا الفرس خلال عدة شهور بعد الهزيمة الساحقة التي ألمت بهم ؛ وتم الاتفاق مع الفرس لعودتهم إلى الأماكن المحتلة سابقًا .

لقد عرض الأطلس جغرافيًا أن البقعة الأدنى في سطح الأرض تكون بالقرب من البحر الميت ؛ حيث أن هناك سطح الأرض أدنى بنسبة 395 متر تحت مستوى البحر ؛ وقد التقطت الأقمار الصناعية صورًا لتؤكد هذه الحقيقة .

من الواضح أن العلم أثبت مؤخرًا أن المنطقة الأدنى في الأرض هي تلك التي وقعت فيها المعركة بين الروم والفرس ؛ والتي أشار إليها القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام في قوله تعالى في سورة الروم غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3) ، وفي ذلك إشارة واضحة إلى موضع الحدث وإلى الهزيمة ؛ ثم النبؤة التي تُبشر بالنصر .

تحمل الآيات الكريمة معجزتين واضحتين حيث قدمت الآيات البشرى السارة بنصر الرومان في فترة ما بين ثلاث إلى تسع سنوات ؛ وبعد سبع سنوات تحققت النبوءة القرآنية التي أقرت بحقيقة نصر الروم بعد الهزيمة على يد الفرس .

لقد تزامن نصر الرومان مع نصر المسلمين في معركة بدر ؛ وقد جاء ذلك النصر ليقضي على كل العقول السيئة التي لا تصدق بنبوءة القرآن الكريم ؛ وكان بالنسبة إليهم شيئًا أخزى كل توقعاتهم ؛ فشعروا بخيبة الأمل والذل .

والإعجاز الثاني في تلك الآية الكريمة هي أنها أشارت إلى حقيقة جغرافية ؛ والتي لم تكن معروفة لأي شخص في ذلك الوقت ؛ حيث أخبرت أن الرومان قد خسروا المعركة في المنطقة الأدنى من الأرض والتي تعني أنها أقرب مكان إلى الجزيرة العربية .

كانت البقعة الأدنى في الأرض التي هُزم فيها الروم واقعة بمستوى أدنى عن مستوى سطح البحر بمعدل 312 قدم ؛ وذلك طبقًا للموسوعة العلمية البريطانية ؛ وقد سجلت الأقمار الصناعية أنها بالفعل البقعة الأدنى من للأرض ؛ كما شهدت الحقائق التاريخية أن المعركة بين الروم والفرس وقعت في المنطقة الأدنى من الأرض بالقرب من البحر الميت .

معنى غلبت الروم

﴿غُلبت الروم﴾ وهم أهل الكتاب غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم.

غلبت الروم تفسير الميزان

وله تعالى: (غلبت الروم في أدنى الأرض) الروم جيل من الناس على ساحل البحر الأبيض بالمغرب كانت لهم إمبراطورية وسيعة منبسطة إلى الشامات وقعت بينهم وبين الفرس حرب عوان في بعض نواحي الشام قريبا من الحجاز فغلبت الفرس وانهزمت الروم، والظاهر أن المراد بالأرض أرض الحجاز واللام للعهد.

غلبت الروم في أدنى الأرض إعجاز

غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿3﴾فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿4﴾صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

 

هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة الروم‏,‏ وهي سورة مكية يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل القرآن المكي‏.‏ ومن قضايا العقيدة الأساسية الإيمان بوحدانية الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وبوحدة الرسالة‏,‏ ووحدة الخلق‏,‏ والإيمان بالآخرة وأهوالها‏,‏ ومنها هول البعث‏,‏ وهول الحساب‏,‏ وهول الميزان‏,‏ وهول الصراط‏,‏ وحتمية الجزاء‏,‏ وحتمية الخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏…!!‏
وقد ابتدأت السورة الكريمة بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات ألا وهو انتصار الروم علي الفرس بعد هزيمتهم أمامهم قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات‏.‏ وتزخر السورة بالأمر بتسبيح الله‏,‏ وتنزيهه وحمده‏,‏ وبالاستشهاد بعدد كبير من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة قدرته وشمول علمه‏,‏ وعدل قضائه‏…!!‏ وتنصح السورة النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بأن يقيم وجهه لدين الإسلام الحنيف‏,‏ الذي لا يرتضي ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من عباده دينا سواه‏,‏ لأنه دين الفطرة التي فطر الله‏(‏ تعالي‏)‏ الناس عليها‏,‏ والتي لا تبديل لها‏,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك‏,‏ وتأمر المسلمين بالإنابة إلي الله وتقواه‏,‏ كما تأمرهم بإقام الصلاة‏,‏ وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله‏,‏ لأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم‏,‏ وكانوا شيعا عديدة حسب أهوائهم‏,‏ وكل حزب منهم فرح بما لديه‏…!!!‏
وتحدثت السورة الكريمة عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية‏,‏ والذي لا تستقيم معه الحياة السوية‏,‏ مثل اللجوء إلي الله تعالي في الشدة‏,‏ والإعراض عنه في الرخاء‏,‏ والإيمان به‏(‏ تعالي‏)‏ في لحظات الضيق‏,‏ والشرك أو الكفر به‏(‏ تعالي‏)‏ وبما أنزل في لحظات السعة والرحمة‏,‏ وتضرب السورة مثلا للناس من حياتهم علي سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة‏.‏ ومن مكارم الأخلاق التي تدعو إليها السورة الكريمة‏:‏ الأمر بإخراج الزكاة وإيتاء ذي القربى‏,‏ والمساكين وأبناء السبيل‏,‏ والنهي عن أكل الربا‏,‏ علي أن ينطلق ذلك كله من الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الخالق‏,‏ الرزاق‏,‏ المحيي‏,‏ المميت‏,‏ وتربط السورة بين ظهور الفساد في البر والبحر وبين أعمال الناس وما كسبت أيديهم‏,‏ وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص العبر من سير الأولين‏,‏ومصائر الظالمين‏.‏
وتؤكد السورة مرة ثانية لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ضرورة الاستقامة علي الدين القيم من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله‏.‏ ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الروم علي طلاقة القدرة الإلهية‏:‏ خلق السماوات والأرض‏,‏ وخلق الأحياء‏,‏ وخلق الإنسان‏,‏ كل ذلك في زوجية تشهد للخالق وحده‏(‏ سبحانه‏)‏ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ ومنها اختلاف ألسنة الناس وألوانهم‏,‏ وإعطاء الإنسان الاستطاعة علي النوم بالليل أو في النهار‏,‏ وعلي ابتغاء فضل الله‏,‏ ومن آياته الرعد والبرق‏,‏ وإنزال المطر‏,‏ وإحياء الأرض بعد موتها‏,‏ وقيام السماوات والأرض بأمره‏,‏ وخضوع كل من فيها أو عليها بأمره‏,‏ وبعث الموتى بأمره‏,‏ وأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏,‏ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض‏.‏
ومن آياته إرسال الرياح برحمة منه وفضل‏,‏ وجري الفلك بأمره‏,‏ وإثارة السحاب‏,‏ وما يستتبعه من أحداث بأمره‏,‏ ومرور كل حي بمراحل من الضعف‏,‏ ثم القوة‏,‏ ثم الضعف والوفاة‏,‏ ومن آياته أنه يحيي الموتى وأنه علي كل شيء قدير‏…!!‏ وتذكر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وما أصاب أقوامهم من انتقام من الظالمين‏,‏ ونصر للمؤمنين‏,‏ كما تذكره‏(‏ صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ بأن ما عليه إلا البلاغ‏.‏
وتختتم السورة الكريمة مرة أخري بالحديث عن البعث وأهواله‏,‏ وعن مصير أهل الكفر والشرك والضلال في هذا اليوم العصيب‏,‏ ومصير أهل الإيمان والتقوى‏,‏ وتكرر الإشارة إلي شيء من طبائع النفس البشرية‏,‏ وقد ضربت لها آيات القرآن الكريم من كل مثل‏,‏ ولكن الذين كفروا لا يؤمنون‏,‏ فالله‏(‏ تعالي‏)‏ قد طبع علي قلوب الذين لا يعلمون‏.‏ وتنتهي السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بوصية من الله‏(‏ تعالي‏)‏ له بالصبر علي استخفاف الكفار والمشركين بدعوته‏,‏ والاطمئنان بأن وعد الله حق‏,‏ وهو واقع لا محالة‏…!!‏
والآيات الكونية الواردة في سورة الروم تحتاج إلي مجلدات لتفصيل دلالاتها‏,‏ ولإظهار جوانب الإعجاز العلمي فيها‏,‏ ولكني سأقتصر في هذا المقال علي الإشارة القرآنية إلي الموقع الذي هزمت فيه جيوش الروم علي أيدي جيوش الفرس بالتعبير‏:‏ أدني الأرض‏,‏ وقبل الدخول في ذلك لابد من عرض الدلالة اللغوية لهذا التعبير ولأقوال المفسرين فيه‏.‏
أدني الأرض في اللغة العربية:
يقال في اللغة‏:(‏ دنا‏)(‏ يدنو‏)(‏ دنوا‏)‏ بمعني قرب بالذات أو بالحكم‏,‏ ويستعمل في المكان‏,‏ والزمان‏,‏ والمنزلة‏,‏ كما يعدي فيقال‏(‏ أدني‏)(‏ يدني‏)(‏ أدناءة‏),‏ ويقال‏:(‏ دانيت‏)‏ أو‏(‏ أدنيت‏)‏ بين الأمرين أي قاربت بينهما‏,‏ حتي صارت بينهما‏(‏ دناوة‏)‏ أي‏:‏ قرب أو قرابة‏..‏ و‏(‏الدني‏)‏ القريب‏,‏ و‏(‏الدنئ‏)‏ بمعني الدون‏,‏ الخسيس‏,‏ وقد‏(‏ دنأ‏)(‏ يدنأ‏),‏ وفيهما‏(‏ دناءة‏),‏ ويقال‏:(‏ دنؤ‏)‏ بمعني انحط‏,‏ و‏(‏الدنيئة‏)‏ هي النقيصة‏.‏ قال‏(‏ تعالي‏):….‏ ومن النخل من طلعها قنوان دانية‏…[‏ الأنعام‏:99].‏
وقال‏(‏ سبحانه‏):‏ (ثم دنا فتدلي‏.‏ فكان قاب قوسين أو أدني‏.)[‏ النجم‏:9,8].‏ وفي الحديث الشريف‏:‏ إذا أكلتم فادنوا أي كلوا مما يليكم‏.‏ ويعبر بـ‏(‏ الأدني‏)‏ تارة عن الأقرب فيقابل بالأبعد‏(‏ أو الأقصي‏)‏ من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوي‏….[‏ الأنفال‏:42].‏
وتارة ثانية يعبر بها عن الأخفض‏(‏ أو الأحقر‏)‏ فيقابل بالأعلي‏(‏ أو الأعز‏)‏ وذلك من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ ‏…..‏ يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين‏….(‏ الأحزاب‏:59).‏
وتارة ثالثة تأتي بمعني الأقل في مقابل الأكثر‏,‏ من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):….‏ ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم‏…[‏ المجادلة‏:7]‏ وتارة رابعة يعبر بها عن الأرذل فيقابل بالذي هو خير‏,‏ وذلك من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ ‏….‏ قال أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير‏…(‏ البقرة‏:61)‏
وتارة خامسة يعبر بها عن الأولي‏(‏ الدنيا‏)‏ في مقابلة الآخرة وذلك من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ ‏….‏ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة‏….‏ (آل عمران‏:152)
وسميت‏(‏ الدنيا‏)‏ بهذا الاسم لدنوها‏,‏ والجمع‏(‏ الدنا‏),‏ وأصله الدنو فحذفت الواو لاجتماع الساكنين‏,‏ والنسبة إليها‏(‏ دنياي‏),‏ وقيل‏(‏ دنيوي‏)‏ ودني‏,‏ ويقال‏:(‏ تدني‏)‏ فلان أي‏(‏ دنا‏)‏ قليلا قليلا‏,‏ و‏(‏تدني‏)‏ المستوي بمعني هبط‏,‏ و‏(‏تدانوا‏)‏ أي‏(‏ دنا‏)‏ بعضهم من بعض‏.‏

معركة الروم والفرس

سورة الروم تشير إلى الحرب بين كسرى الفرس خُسرَو الثاني Khosrau II وبين ملك الروم فوكاس Phocas. بدأت الحرب عام 602 م. في عام 608 وصلت جيوش الفرس إلى القسطنطنية. وفي عام 610 استولى هرقل على عرش الروم لكن الهزائم استمرت. وفي عام 613 وصلت إلى دمشق وحصلت المعركة الفاصلة عند مدينة درعا (أذرعات)، وبعدها بدا أنه الفرس سيكسبون الحرب لا محالة. ثم في العام التالي 614 سقطت القدس بيد القائد الفارسي شهربراز، واستولى على الصليب المقدس عند الروم. ثم تقدم إلى مصر فاحتل الاسكندرية سنة 619 وأكمل احتلال مصر عام 621. وفي نفس الوقت تقدمت قبائل الآفار والسلاف لتستولي على البلقان ثم لتحاصر القسطنطنية من الجانب الآخر.

لم يبق للروم إلا اليونان وجزائر البحر المتوسط (قبرص وصقلية) وشريط ساحلي في شمال إفريقيا (قرطاجة). انهارت معنويات الروم، وازداد الصراع الداخلي، وتوقع الناس سقوط دولتهم سريعاً وكان هرقل يفكر بالهروب إلى قرطاجة وتأسيس مملكة في تونس.

عام 622 م (يعني السنة الأولى للهجرة)، قام هرقل بحركة إصلاحية وأعاد تنظيم الجيش. ثم تحالف مع الخزر الترك، واستولى على أذربيجان سنة 624 ثم انتصر انتصاراً ساحقاً على الفرس في نينوى عام 627. ثم تحالف مع الأحباش عام 629 وانتصر مجدداً على الفرس وصار قريباً من عاصمتهم المدائن.

أدى هذا لحصول انقلاب عسكري في المدائن حيث قام الابن Kavadh II بقتل أبيه الملك والاستيلاء على عرشه (حديث: إن ربي أخبرني أنه قتل كسرى ابنه هذه الليلة لكذا ساعات مضين منها). وعقد صلحاً مع الروم وانسحب من الشام ومصر. ثم مشى قيصر حافياً إلى القدس حاملاً ما يسمى بالصليب المقدس بآخر سنة 629 وأول 630. وهي سنة لقاءه مع أبي سفيان (رضي الله عنه) لما وصلته رسالة نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

نلاحظ تطابق المعارك الكبرى مع أحداث إسلامية مهمة:

وصل هرقل للحكم وقت بدئ الوحي والبعثة النبوية.
سورة الروم مكية، ولا نعلم سنة نزولها لكن المفسرين يقولون أنها بعد معركة أذرعات (613) بفترة، وربما يكون هذا بعد سقوط القدس أو سقوط مصر. {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
الآية تقول أن الروم قد غُلبت في أدنى الأرض أي أقرب الأرض للحجاز (إما أذرعات أو القدس)، أيضا بعد آخر هزيمة لهم (وقد كان بمصر 621) فإنهم سيغلِبون في بضع سنين (3-10 سنين)، وقد كان أول نصر للروم بعد ثلاث سنين.
إصلاح هرقل لجيش الروم سنة 622 نفس وقت الهجرة النبوية، أما قبل الهجرة فكان الفرس منتصرين بكل المعارك ولم يكن لدى الروم أدنى أمل.
معركة بدر عام 624، حيث انتصر الروم على الفرس واستولوا على أذربيجان ودمروا أقدم معبد نار مجوسي. فكما انتصر الفرس سنة 614 واستولوا على القدس والصليب المقدس، فيقابله انتصار الروم 624 واستيلائهم على مسقط رأس زرادشت ومعبد النار المقدسة. وصادف هذا فرح المسلمين بانتصارهم على المشركين في بدر {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ}.
المعركة الفاصلة حصلت بآخر 627 في نينوى حيث انتصر الروم بأهم معركة طوال الحرب، وبعدها بأربعة أشهر حصل صلح الحديبية عام 628 وكذلك وقّع الفرس معاهدة الصلح مع الروم بعد اغتيال شيرويه لأبيه كسرى.
دخل هرقل للقدس محتفلا، بنفس دخول المسلمون إلى مكة فاتحين.

غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون

يقول تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1 ـ 7].

غلبت الروم أم غلبت الروم

تخيلوا أنكم لم تقرأوا سورة الروم في المصحف التقليدي قبل ذلك، وحاوِلوا قراءتها كما كُتبت في عهد النبي محمد بهذا الشكل، بدون نقاط أو تشكيل أو علامات ترقيم، كما كان وقتها، قبل تطور اللغة العربية: هل هي “غَلَبَت الروم” أم “غُلِبت الروم”؟ هل هي “سَيَغْلِبُون” أم “سَيُغْلَبُون”؟

القراءة مختلفة، وبالتالي فإن المعنى مختلف، وبالتأكيد ستختلف التفسيرات… وفي ضوء ذلك، كيف ستفهم الآية التالية: “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله”؟ أي نصر سيفرحون به؟ نصر الروم، أم النصر على الروم؟

هذه الحيرة هي ما وقع فيها العلماء في القرون الإسلامية الأولى، وهو ما دفع أستاذة التاريخ، وعميدة كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأمريكية ببيروت، البروفيسورة ناديا ماريا الشيخ، إلى البحث في هذا الأمر، فأنتجت دراسة بعنوان: ” Sūrat al-Rūm: A Study of the Exegetical Literature”، عرضت خلالها الخلافات بين المفسّرين في قراءتها، خلال الفترة من القرن السابع الميلادي، وحتى أواخر القرن الرابع عشر، أي منذ بداية الإسلام وحتى عصر الحروب الصليبية.

ويتبيّن من الدراسة أن تفاسير الآية تأثرت بالظروف السياسية الخاصة بكل عصر، وأن العلاقات بين الدول الإسلامية المتعاقبة وبين الروم أو الدولة البيزنطية، وتبدلها بين الودِّ والعداء، منذ عهد النبي وحتى عهد الحملات الصليبية، أثرت على تفسير الآيات لدى علماء المسلمين، وجعلتها تنقلب من النقيض إلى النقيض.

فعلاقة المسلمين بالروم وقت نزول الآيات كانت علاقة ودّ، خاصة بعد أن أكرم امبراطور بيزنطة، هرقل، رُسُل النبي إليه لدعوته للإسلام، وتعامل مع رسالته باحترام، في الوقت الذي قطع كسرى الرسالة وتعامل مع دعوة النبي بإهانة. كذلك كان النبي يعتبر الروم من أهل الكتاب، باعتبارهم مسيحيين، في حين أن الفرس كانوا مجوساً يعبدون النار، وبالتالي كان الروم أقرب إلى النبي إيديولوجياً من الفرس.

ولكن هذا الودّ تغير بعد ذلك، خاصة في عصر الحملات الصليبية، حين غزت أوروبا أراضي المسلمين في بلاد الشام ومصر، وأصبحت لغة المفسّرين حين يتحدّثون عن الروم عدائية، حيث اعتبروهم “كفاراً”، وبالتالي اختلفت تفسيراتهم لآيات سورة الروم الافتتاحية، بدرجات متفاوتة.

 

 

السابق
اسطورة قصر خداوج العمياء
التالي
معلومات عن البيغ فوت