التاريخ الإسلامي

معجزات النبي محمد

معجزات النبي محمد بالتفصيل

تعد المعجزة من الدلائل المهمة التي تثبت بها نبوة النبي ، و هي بمثابة أوراق اعتماده و هويته التي تؤيد صدق دعواه و ارتباطه بالله تعالى ، فلذلك نرى أن الأنبياء ( عليهم السَّلام ) إلى جانب ما أقاموه من الدلائل و البراهين على صدق دعواهم فقد اظهروا معاجز تؤكد صدق ادعائهم و لا تدع مجالا للشك في حقانية نبوتهم . و المعجزة كما عرَّفها العلماء : ” أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدي ، مع عدم المعارضة ، مع دعوى النبوة ” . و المعجزة هي : العمل الخارق للعادة ، الذي يعجز البشر حتى النوابغ و العباقرة عن الإتيان به . و للنبي المصطفى محمد ( صلى الله عليه و آله ) معاجز كثيرة جداً و هي أكثر من أن تُحصى . و من أهم تلك المعاجز هي معجزة القرآن الكريم ، المعجزة الإلهية الخالدة التي زوَّد الله تعالى بها رسوله المصطفى ( صلى الله عليه و آله ) لتكون وثيقة حيَّة على صدق النبي محمد ( صلى الله عليه و آله ) الى يوم القيامة ، و لكي يتحدى به من يشك في معجزية هذا الكتاب الإلهي ، فهو معجزة عظيمة جداً يزخر بمعاجز كبرى . قال الله عَزَّ و جَلَّ : { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ( البقرة/23 ) . و قال جَلَّ جَلالُه : { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } ( يونس/38 ) . و قال سبحانه و تعالى : { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } ( الإسراء/88 ) . و قال عزَّ ذكره : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } ( هود/13 ) . و ما عدا القرآن الكريم من معاجز النبي ( صلى الله عليه و آله ) تنقسم إلى قسمين : القسم الأول و هي المعاجز التي ذكرها القرآن الكريم ، و هي : 1 ـ إنشقاق القمر : المعجزة التي أشار إليها القرآن الكريم : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } ( سورة القمر / 1 و 2 ) . 2 ـ الإسراء و المعراج : المعجزة التي أشار إليها القرآن الكريم : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ( الإسراء : 1 ) . كما أشار إليها أيضاً في سورة النجم . 3 ـ المباهلة مع النصارى : المعجزة التي أشار إليها القرآن الكريم : { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } ( آل عمران / 61 ) . و أما القسم الثاني من معاجز النبي ( صلى الله عليه و آله ) و هي التي ذكرها الرواة و المحدثون و هي أكثر من أن تحصى ، و قد جمعها وأحصاها علماء الحديث و دوّنوها في كتبهم و موَلّفاتهم . و من أراد الإطلاع على تلك المعاجز فليراجع ما ألَّفه المُحدِّث الكبير الشيخ محمد بن الحسن بن علي ، المعروف بالحُر العاملي ، المولود سنة : 1033 هجرية بجبل عامل لبنان ، و المتوفى سنة : 1104 هجرية بمشهد الإمام الرضا ( عليه السَّلام ) و المدفون بها ، و الكتاب هو : ” إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ” .

معجزات الرسول المذكورة في القرآن

  •  القرآن
  •  تحقق البشارات ببعثته
  •  الإسراء والمعراج
  •  انشقاق القمر له
  •  حماية الملائكة له
  •  سماعه لأهل القبور
  • مخاطبته لقتلى بدر
  •  حنين جذع النخلة
  •  اهتزاز جبل أحد
  •  نبوع الماء من بين أصابعه
  •  إضاءة المدينة المنورة لقدومه وظلامها لوفاته

معجزات الرسول في صغره

عن البخاري: حدثنا عبد الله ين يوسف: حدثنا الليث: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن ، باب: كيف نزول الوحي، وأول ما نزل).

1. روى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ “لما ولدته خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام” (وروى أحمد والدارمى وغيرهما قريبًا من ذلك).

2. آيات البركة والخير التي عمت بني سعد عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم عندهم؛ كثيرة حيث رأت حليمة مرضعته من البركة التي حلّت عليها بوجوده صلى الله عليه وسلم، حيث امتلأ صدرها بالحليب بعد جفافه، حتى هدأ صغارها وكفّوا عن البكاء جوعاً، وكانت ماشيتها في السابق لا تكاد تجد ما يكفيها من الطعام، فإذا بالحال ينقلب عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى زاد وزنها وامتلأت ضروعها باللبن.

3. حادثة شق الصدر: روى مسلم عن أنس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال‏:‏ “هذا حظ الشيطان منك”، ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه -أي جمعه وضم بعضه إلى بعض- ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعنى ظئره- فقالوا‏:‏ “إن محمدًا قد قتل”، فاستقبلوه وهو مُنْتَقِعُ اللون -أي متغير اللون- قال أنس‏:‏ “وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره” ‏(من كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري).

4. عن جَلْهُمَة بن عُرْفُطَة قال‏:‏ قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش‏:‏ “يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهَلُمَّ فاستسق”، فخرج أبو طالب ومعه غلام، كأنه شمس دُجُنَّة، تجلت عنه سحابة قَتْمَاء، حوله أُغَيْلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأضبعه الغلام، وما في السماء قَزَعَة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغْدَوْدَق، وانفجر الوادي، وأخصب النادي والبادي (أخرجه ابن عساكر)، وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال‏:‏ وأبيضَ يُستسقى الغَمَام بوجهه ثِمالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامل

معجزات النبي محمد عند الشيعة

فمن معجزاته عليه السلام: مجي‏ء الشجرة لمّا قال لها: «أقبلي»، فجاءت إليه تخدّ الأرض خدّا، ثمّ قال لها: «أدبري»، فعادت إلى مكانها .

ومنها: تكثير الماء القليل في مواطن.

ومنها: حديث الميضاة في غزوة تبوك، والحديث أنّه عليه السلام توضّأ من ميضاة وبقي فيها ماء قليل، فقال عليه السلام لأبي قتادة: «احتفظ به، فانّ لهذا الماء شأنا». وتقدّمهم العسكر، فلمّا بلغهم عليه السلام ثار الناس في وجهه وقالوا: «العطش العطش»، فاستدعى بالميضاة وضع يده فيها، ففار الماء من بين أصابعه، حتّى شرب منه العسكر ورواحلهم ودوابّهم.

ومنها: في هذه الغزاة أيضا: كان في طريقهم وشل وكان يكفي الراكب والراكبين، فقال عليه السلام: «من سبق إلى الماء فلا يأخذ منه شيئا، فلمّا جاءه أخذ بيده الماء وتمضمض منه ومجّه الى الماء، فكثر حتّى شرب منه الجيش كلّه» ثمّ قال: «من بقي منكم فسيسمع أنّه يكون لهذا الوادي شأن»، فكان ذلك الماء يسقي حافية.

وفي هذه الغزاة أيضا: إنّ الناس شكوا إليه قلّة الماء، فدعا عليه السلام، فمطروا حتى أنّ الغدر إن كانت تتباجس بالماء.

ومنها: أنّه لمّا نزل الحديبيّة استنفدوا ماء البئر حتّى أخذوا الماء مع الطين.

فدفع عليه السلام سهما إلى البرّاء بن عازب ليغرزه في البئر ويقول: «بسم اللّه» فنبع الماء حتى قالوا: لو لا أنّا أخذنا البراء لغرق، حتّى كانوا يغرفون الماء من رأس البئر  .

ومنها: أنّ قوما شكوا إليه قلّة ماء بئرهم في الشتاء فتفل في بئرهم فانفجر بالماء الزلال العذب المعين.

ومن معجزاته تكثير الطعام القليل.

فمن ذلك أنّه عليه السلام لمّا نزل قوله تعالى: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } [الشعراء: 214] قال: لعليّ عليه السلام: «شوّ فخذ شاة وجئني بعسّ من لبن، وادع لي بني أبيك بني هاشم». ففعل ذلك ودعاهم، فدخلوا وهم أربعون رجلا، وأكلوا حتّى شبعوا، وشربوا حتّى ارتووا، وما يرى في الطعام إلّا أثر أصابعهم ولبن العسّ على حاله، فقال أبو لهب «كاد ما سحركم محمّد»، فقاموا قبل أن يدعوهم، فأمره أن يفعل مثل ذلك في اليوم الثاني والثالث. وهذا مشهور عند أهل النقل والتواريخ‏  .

ومن ذلك: حديث جابر يوم الخندق قال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله خميصا وهو يعمل في الخندق، فذبحت عناقا وطحنت المرأة صاعا من شعير وخبزته، فقلت: «صنعت طعاما فسر معيّ» فقال عليه السلام: «أنا وأصحابيّ» فاستحييت، فقلت: «أنت وأصحابك»، فقال عليه السلام:

«قوموا إلى دعوة جابر»، فجئت وأخبرتها، فقالت: «هذا هو الفضيحة»، وقالت: «أنت قلت: أنت وأصحابك»، فقال: لا، ولكنّه لمّا قال: أنا وأصحابي، استحييت وقلت: أنت وأصحابك»، قالت: «هو أعلم بما قال»، قال: فلما جاءه عليه السلام، قال: «ما عندك»؟ قال: «عناق في التنور وصاع من شعير خبزناه»، فقال عليه السلام: «خذ اللحم وغطّ التنور، وخذ الخبر من موضعه وغطّه، وأقعد أصحابي عشرة عشرة» قال جابر: فأكلوا وأكلنا نحن وقمنا.

ومن ذلك: أنّ في الحديبيّة نفد الأزواد. فشكوا إليه عليه السلام ذلك، فقال: «ايتوني بما بقي معكم من أزوادكم»، فجاءوا به، فوضع الدقيق ناحية والسويق ناحية والتمر ناحية والخبز ناحية، ودعا اللّه تعالى، ففاض الأنطاع فأكلوا وتزوّدوا، حتّى ملئوا كلّ جراب وفروة .

ومن ذلك: أنّه عليه السلام لمّا زوّج فاطمة من أمير المؤمنين عليه السلام، قال لأمير المؤمنين عليه السلام: «اجعل لفاطمة وليمة» ثمّ قال عليه السلام: «منّا كذا وكذا ومنك كيت وكيت»، فامتثل أمير المؤمنين عليه السلام، ما رسم له صلوات اللّه عليه وآله وعملوا خبيصا وأعدّوا طعاما، ثمّ قال لأمير المؤمنين عليه السلام: «ادعوا لي الجماعة»، قال أمير المؤمنين: فأتيت المسجد وفيه جمع كثير، فاستحييت من أن أدعوا البعض دون البعض، فأطرقت رأسي وما نظرت إلى أحد وقلت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة. فأقبل الناس كلّهم وجاءوا معي، حتّى دخلوا البيت، وبقيت أنا مستحييا من قلّة الطعام وكثرة الحاضرين، فعرف رسول اللّه، صلى اللّه عليه وآله، ما دخلني من ذلك، فقال لي: «لا بأس، أنا أدعو اللّه بالبركة»، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «فأكلوا عن آخرهم وبقي من الطعام كثير. فأخذ، صلوات اللّه عليه، الصّحاف، وجعل‏ على كلّ واحدة منها الخصيص ملأها وبعث إلى كلّ حجرة من حجراته واحدة منها.

ومن ذلك: قصّة عنز أمّ معبد. والقصّة أنّه صلوات اللّه عليه وآله، مرّ في طريقه إلى المدينة على امرأة يقال لها أم معبد الخزاعيّة وكانت برزة، فسألها، عليه السلام، القرى، قالت: «ما عندنا حلوبة»، فقال: «و ما تلك العنز»، قالت: «عناق لم ينز عليها فحل»، فأمرّ عليه السلام يده على ضرعها ومسّ ظهرها فدرّت، فحلب فسقى أبا بكر، وحلب فسقى عامر بن فهيرة، وحلب فسقى عبد اللّه بن الأرقط الدليل، وحلب فسقى أمّ معبد وحلب فشرب عليه السلام، وقال: ساقي القوم آخرهم شربا، وبقي لبن تلك العناق.

ومن ذلك: أنّ امرأة أهدت له، عليه السلام عكّة فيها سمن، فأخذ منها شيئا وردّها، عليه السلام فلم تزل العكّة فيها سمن، المدّة الطويلة.

ومن معجزاته عليه السلام: تسبيح الحصى في كفّه وكفّ جمع من أصحابه.

ومن معجزاته عليه السلام: حنين الجذع الذي كان عليه السلام يستند إليه في حال خطبته ووعظه حين انتقل إلى المنبر، فانّه حنّ على ما جاء في النقل المتواتر كما تحنّ الناقة فلمّا جاءه والتزمه سكن.

ومن معجزاته كلام الذراع وانّه قال: لا تأكلني، فانّي مسموم.

ومن معجزاته كلام الذئب الذي كلم وهب بن أوس، فقال: «أتعجب من أخذي شاة، وهذا محمد يدعو إلى الحقّ فلا تجيبونه» وكان يسمّى مكلّم الذئب.

ومن معجزاته عليه السلام أنّ النعمى الظفريّ الأنصاريّ ضرب ضربة فسقطت عينه، فأخذها بيده وجاء إليه عليه السلام، فردّها إلى مكانها، فكانت أقوى عينيه وكانت الباقية تعتلّ وهي لا تعتلّ.

ومن معجزاته عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان قد رمدت‏ عيناه يوم خيبر، فتفل عليه السلام فيهما فلم ترمد بعد ذلك، ودعا له بأن يصرف اللّه عنه الحرّ والبرد. فكان بعد ذلك لباسه في الصيف والشتاء واحدا.

ومن معجزاته عليه السلام: أنّ طفيل بن عمرو السدوسيّ لمّا أسلم قال: اذهب إلى قومي فأدعوهم، فاجعل لي علامة فجعل في جبينه نورا وقال: هذه مثلة، فجعله من بعد في علاقة سوطه، فصار إلى قومه، فقالوا: إنّ الخيل ليلتهب فدعاهم فأسلموا مقدار ثمانين نفسا وكان يسمّى ذا النور.

ومن معجزاته عليه السلام: أنّه استسقى فلمّا جاء المطر، شكا إليه أهل المدينة من خراب المنازل، فقال عليه السلام: «حوالينا ولا علينا» فصار الغيم كالإكليل حول المدينة ويمطر والشمس طالعة في نفس المدينة.

ومن معجزاته عليه السلام انشقاق القمر والقرآن ناطق به.

فإن قيل: بيّنوا صحّة هذه الأخبار التي أوردتموها المتضمّنة لهذه المعجزات، فانّها في حيّز الآحاد، ثمّ بيّنوا أنّ أسباب الحيل مفقودة في هذه الامور حتى يمكنكم الحكم بأنّها معجزات.

قلنا: معاذ اللّه أن تكون هذه الأخبار في حيّز الآحاد، فانّ المسلمين تواتروا بها خلفا عن سلف، وهي بينهم شائعة ذائعة، فمسلمو زماننا هذا يروون هذه الأخبار على كثرتهم ويذكرون أنّهم أخذوها عمّن يساويهم من أسلافهم وأولئك الأسلاف أيضا يروونها عن أسلافهم، وكذا إلى الاتصال بالذين عاينوا وشاهدوا هذه المعجزات، وهم خلق كثير أيضا، فلا يخلو من أن يكونوا صادقين فيما نقلوه من هذه الأخبار أو كاذبين، فإن كانوا كاذبين لم تخل الحال في ذلك من أحد امور.

فأمّا أن يقال: إنّ هذه الأكاذيب وقعت منهم اتفاقا من دون مواطاة مشافهة أو مكاتبة أو مراسلة. وهو محال من حيث العادة، كما يستحيل اتّفاق الناس كلّهم واجتماعهم.

على لبس زيّ واحد وتناول طعام واحد من دون جامع يجمعهم على ذلك، واجتماع شعراء كثيرين على إنشاء قصائد متعددة متفقة الألفاظ والمعاني والوزن والقافية اتفاقا.

وأمّا أن يقال: إنّهم افتعلوا هذه الأكاذيب وتواطئوا عليها ما مشافهة أو مكاتبة أو مراسلة، وذلك أيضا مستحيل في الجمع الكثير الذين هم دون جميع المسلمين في الكثيرة، فكيف يتصوّر في حقّ المسلمين كلّهم؟! ولئن كان بينهم تواطؤ في ذلك بأحد الوجوه المذكورة لما خفي على الناس ولظهر وانتشر، كما قال القائل:

و سرّك ما كان بين امرئ وسرّ الثلاثة غير الخفيّ

وأما أن يقال: الأصل في رواية هذه الأحاديث كان واحد، ثمّ ظهر وانتشر عنه وتداولته الألسن وهذا باطل أيضا، لأنّه لو كان كذلك لوجب أن يكون الواضع لها ظاهرا، وأن يكون زمان ادّعاء هذه المعجزات معلوما، وأنّه ما ادّعاها أحد قبله، كما علم ذلك في جميع المذاهب والأقوال المبتدعة المتجددة التي لم تكن في الصدر الأوّل …

فبطل كونهم كاذبين، إذ لو كانوا كذلك لما خرجوا عن أحد هذه الأقسام التي ذكرناها وأبطلناها. وإذا بطل كونهم كاذبين تعيّن كونهم صادقين، إذ المخبر لا يخلو عن أحد هذين الوصفين، فإذا لم يكن على أحدهما كان بالضرورة على الآخر، فإذا كان كذلك ثبت وتحقّق صحّة هذه الأخبار.

ثمّ وإن فرضنا نقلها من طريق الآحاد، فانّ معناها متواتر، لأنّا نعلم أنّه لا يجوز مع كثرتها واختلاف رواتها أن يكون كلّها كذبا، لأنّ مثلها لا يتفق في الكذب، فهي تجري مجرى الأخبار المنقولة عن تفاصيل‏ سخاء حاتم وشجاعة أمير المؤمنين، لأنّ آحاد تلك الأخبار لمّا كانت كثيرة علم بها معناها وهو سخاء حاتم وشجاعة أمير المؤمنين، بل حصول‏ العلم بأنّه عليه السلام كان صاحب معجزات أولى وأقوى من حصول العلم بسخاء حاتم وذلك لأنّ الأخبار الواردة بتفاصيل معجزاته عليه السلام أضعاف أضعاف الأخبار الواردة في تفاصيل سخاء حاتم.

وأمّا بيان فقدان أسباب الحيل في هذه الآيات، فهو أنّ أكثرها لا يمكن ولا يتمّ‏ فيه الحيلة، مثل انشقاق القمر وحديث الاستسقاء وإطعام الخلق الكثير من الطعام القليل وخروج الماء من بين أصابعه وحديث عناق أمّ معبد ومجى‏ء الشجرة إليه ورجوعها عنه لا يتمّ أيضا فيه الحيلة. وإنّما يتمّ التلبيس والحيلة في الخفيف من الأجسام التي يجلب بالتلفك والقزّ وغيره من الخيوط والآلات الضعيفة اللطيفة التي يمكن إخفاؤها.

فأمّا ما يجذب به الشجرة النابتة في الأرض المترسّخة عروقها فيها، فانّه يكون حبلا قويا وآلة كثيفة، ويحتاج الجاذب بها إلى إفراغ وسعه وبذل مجهوده في فعل الاعتمادات الموجبة لقلع الشجرة بين منبتها وشقّ الأرض في مجي‏ء الشجرة وجذبها، ويحتاج في رجوعها إلى آلة اخرى بها يدفعها إلى موضعها. وكلّ هذا ممّا يجب أن يشاهد ويعاين، فكيف يجوز أن يخفى مثل ذلك؟!

فإن قيل: جوّروا أن يكون في الأجسام جسم يجذب الشجرة كما أنّ فيها حجرا يجذب الحديد.

قلنا: لو كان في الأجسام ما يجذب الشجرة لعثروا عليه ولظفر به مع تطاول الزمان كما عثر على حجر المغناطيس حتّى علمه كلّ أحد. وكما أطّلع على باغض الخلّ وغيره، وبذلك جرت العادة.

ومهما قيل: إنّ ذلك الجسم لم يطّلع عليه غيره عليه السلام.

قلنا: فاختصاصه عليه السلام بالعثور عليه دون غيره من الخلائق الباقين والغابرين يقتضي أنّ اللّه تعالى أطلعه عليه وخصّه به، فيكون ذلك خرق عادة من جهته تعالى مختصا به، فيدلّ على صدقه، ثم نقول للسائل: يلزم على ما ذكرته تجويز أن يكون في الوجود حجر يجذب الكواكب ويقلع الجبال من أماكنها، وإذا قرب من ميّت عاد حيّا. وهذا يؤدّى إلى أن لا نثق بشي‏ء من المعجزات، وكان يجب أن يطعن بذلك أعداء الدين ومخالفوا الإسلام، لأنّهم إلى ذلك أحوج وبه أشغف. وكذا لو ادعى في خروج الماء من بين أصابعه طبيعة لزم تجويز ذلك في قلع الجبال وجذب الكواكب وإحياء الأموات، وكلّ ذلك فاسد. وحنين الجذع لا يمكن أن يدّعى أنّه كان لتجويف فيه، لأنّه لو كان ذلك لعثر عليه مع المشاهدة له ولما كان يسكن عند الالتزام، وتسبيح الحصى وكلام الذراع لا يمكن فيه حيلة.

فإن قيل: كيف يتصوّر كلام الذراع؟.

قلنا: قد قيل في ذلك وجهان: أحدهما، أنّه عزّ وجل بنى الذراع بنية حيّ صغير وأعطاه آلة النطق والتمييز فتكلّم بما سمع. والآخر أنّه تعالى فعل فيه الكلام الذي سمع‏ منه واضافه إلى الذراع مجازا، كما خلق الكلام في الشجرة عند ندائه موسى عليه السلام.

فإن قيل: لو انشقّ القمر لرآه جميع الناس في أقطار العالم، فما كان يجوز أن يشك فيه أحد ولا أن يقع فيه خلاف.

قلنا: هذا غير لازم، لأنّه لا يمتنع أن يكون الناس في تلك الحال مشاغيل، فانّه كان بالليل فلم يتفق لهم مراعاة ذلك وبقى ساعة ثمّ التئم، وغير ممتنع‏ أيضا أن يكون في الجوّ غيم حال بينه وبين كلّ من لم يشاهده، فلذلك لم يروه.

فإن قيل: أليس التجّار المسافرون إلى طمغاج‏  يحكون أنّ هناك حجرا إذا جعل في الماء يظهر عند ذلك في الجوّ غيم وينزل المطر وأنّهم إذا أرادوا، المطر القليل جعلوا بعضه في الماء وبعضه خارجه، وإذا أرادوا الكثير من المطر غمسوه كلّه في الماء. وإذا كان كذلك فكيف تحتجّون بحديث الاستسقاء؟ وكيف تعدّونه معجزا خارقا للعادة؟

قلنا: من المعلوم أنّ العادات تختلف بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة.

أمّا اختلافها باختلاف الأمكنة فهو كسقوط الثلج ومجيئه في بلادنا هذه دون بلاد نجد وتهامة وأمّا اختلافها باختلاف الأزمنة فهو كمجيئه عندنا في الشتاء دون الصيف والمعتبر في المعجز هو خرق عادة من كان النبيّ بين ظهرانيهم.

إذا ثبت هذا وتقرّر، فلو صحّت الحكاية المذكورة في السؤال لكان ذلك معتادا لأولئك الأقوام وفي بلادهم، فتكون عادة جارية فيما بينهم، ولا تكون عادة اللّه تعالى في أرض نجد وتهامة ولا في بلادنا هذه.

وبيانه أنّ أحدا لم ير في بلادنا قطّ مثل ذلك ونعلم أيضا أنّه لو كان لما ذكره السائل أصل وصحّة ونقل إلينا ذلك الحجر وعمل به ما يعمل هناك من جعله في الماء لما حصل عنده ما يدّعي حصوله هناك باعتبار أنّه لو حصل منه ذلك المقصود في غير تلك الولاية لقويت الدواعي إلى نقله إلى الاقطار والبقاع لاراءة العجب فيه وإظهاره، فإنّ طباع البشر مجبولة على إظهار مثل ذلك من العجائب فكانوا ينقلونه، ولو لم ينقله أحد لوجب أن ينقله الممخرقون للتسوّق به. فلمّا لم ينقلوه دلّ ذلك على أنّه إن كان لما ذكره السائل أصل لكان ذلك مقصورا على تلك البقعة وغيرها من البقاع وعادة جارية ففيما بين أهلها ومن‏ البيّن أنّ عادة أهل المدينة لم تجر بمثل ذلك‏ ولا عادتنا، فكان ما ظهر هناك من حديث الاستسقاء خارقا لعادتهم.

هذا على أن من المعلوم أنّه عليه السلام لمّا استسقى ما جعل حجرا ولا غيره في الماء، باعتبار أنّه لو عمل شيئا من ذلك لنقل ولعلم ولم يفزع الا إلى الابتهال والتضرّع والدعاء.

وعلى أنّا ما استدللنا بمجرّد مجي‏ء الغيث عند دعائه، بل بأنّه لمّا جاء المطر العظيم الذي خافوا على المنازل بسببه شكوا ذلك إليه عليه السلام، فدعا فصار السحاب كالإكليل حول المدينة، وكان يمطر حول المدينة والشمس طالعة في المدينة. وهذا ممّا لا يمكن ادّعاء مثله في موضع من المواضع، فصحّ كونه خارقا للعادة، واندفع الخيال الذي أورده السائل.

 

ومن معجزاته عليه السلام إخباره عن الغيوب المستقبلة، وهو كثير:

فمن ذلك قوله عليه السلام لأمير المؤمنين عليه السلام: «ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين»  فقاتل طلحة والزبير بعد ما نكثا بيعته، وقاتل معاوية وأصحابه وهم القاسطون ومعناه الظالمون، وقاتل الخوارج وهم المارقون.

ومن ذلك قوله لأمير المؤمنين عليه السلام: «إنّك تقتل ذا الثدية» وكان يقال له المخدج، خرج مع الخوارج يوم النهروان، فلمّا قتلوا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «اطلبوا إليّ المخدج»، فلم يجدوه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:

«و اللّه ما كذبت ولا كذبت» فوجدوه فخر عليه السلام ساجدا، وقال: «إنّ يده كالثدي عليها شعرات كشارب السّنور ائتوني بها» فنصبها.

ومن ذلك قوله عليه السلام أيضا لأمير المؤمنين عليه السلام: «ألا أخبرك‏ بأشقى النّاس، رجلين: أحمر ثمود، ومن يضربك يا عليّ على هذه- ووضع يده على قرنه- فيبلّ منه هذه» وأخذ بلحيته، فكان كما أخبره‏ .

ومن ذلك إخباره عليه السلام بقتل الحسين عليه السلام ووصفه الموضع الذي يقتل فيه، وقتل في ذلك الموضع‏ .

ومن ذلك قوله عليه السلام لعمّار رضى اللّه عنه: «ستقتلك الفئة الباغية، وآخر زادك ضياح من لبن»، فقتله أصحاب معاوية. ولشهرة هذا الحديث لم يمكن معاوية ردّه. وإنّما قال: «بل قتله من جاء به»، فقال ابن عبّاس رضى اللّه عنه: «فقد قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حمزة، لأنّه جاء به إلى الكفّار، فقتلوه» .

ومن ذلك قوله عليه السلام لعمّه العبّاس يوم بدر وقد أسر: «افد نفسك وابن أخيك، فانّك ذو مال». فقال: «ما لي مال»، فقال عليه السلام: «أين المال الذي وضعته عند أمّ الفضل، وقلت إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا، ولقثم كذا ولعبد اللّه كذا»، قال: «والذي بعثك بالحقّ ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإنّي لأعلم انّك رسول اللّه» .

ومن ذلك أنّ كسرى أنفذ إلى باذان وهو عامله باليمن: «ان يبعث إلى محمّد من يجي‏ء به إلى كسرى»، فبعث إليه فيروزان الديلميّ مع قوم. فقال عليه السلام لفيروزان: «إنّ ربّي سلّط على ربّك ابنه فقتله الليلة في ساعة كذا»، فلمّا بلغ ذلك باذان تربّص حتّى جاءه الخبز بقتله إيّاه في تلك الليلة في تلك الساعة، فأسلم باذان وأسلم فيروزان‏ .

ومن ذلك أنّه لما توفيّ النجاشيّ بالحبشة، قال عليه السلام: «إنّ النجاشيّ توفّي الساعة، فاخرجوا بنا إلى المصلّى لنصلّي عليهم». وما علم هرقل بموته إلّا من تجّار غدوا من المدينة إلى الشام‏ .

ومن ذلك أنّه لما قتل زيد بن حارثة بمؤتة، قال عليه السلام بالمدينة: «قتل زيد بن حارثة، وأخذ الراية جعفر»، ثمّ قال: «قتل جعفر»، ثمّ أمسك ساعة، ثمّ قال: «و أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة». وذلك أنّ جعفرا بادر إلى أخذ الراية وتوقّف عبد اللّه بن رواحة حتّى أخذ جعفر الراية، ثمّ قال: «و قتل عبد اللّه بن رواحة». وجاءت الأخبار كذلك‏ .

ومن ذلك انّه عليه السلام لمّا تلى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1] ، قال عتبة بن أبى لهب: «كفرت بربّ والنجم». فقال عليه السلام: «سلّط اللّه عليك كلبا من كلابه»، يعني الأسد، فخرج عتبة إلى الشام في غير من أصحابه، حتّى إذا كانوا بالشام فرأوا الأسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقيل له: «من أيّ شي‏ء ترعد؟ فو اللّه ما نحن وأنت إلّا سواء» فقال: «إنّ محمّدا دعاه عليّ، لا واللّه، ما أظلّت هذه السّماء على ذي لهجة أصدق من محمّد» ثمّ وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، ثمّ جاء القوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم ووسّطوه، بينهم وناموا، فجاءهم الأسد يهمس رءوسهم رجلا رجلا، حتّى انتهى إليه فضغمه ضغمة كانت إيّاها ففزع وهو بآخر رمق وهو يقول: «ألم أقل لكم إنّ محمّدا أصدق الناس»  وهذا داخل في جملة دعواته المستجابة وجار مجرى الخبر عن الغيوب، كأنّه أخبر أنّه سيكون ما دعا به.

و من ذلك أنّ شيبة بن أبي عثمان بن أبي طلحة قال: «ما كان أحد أبغض‏ إليّ من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وكيف لا يكون كذلك وقد قتل منّا ثمانية، كلّ منهم كان يحتمل اللواء. فلمّا فتح مكّة أيست عمّا كنت أتمنّى من قتله وقلت في نفسي قد دخلت العرب في دينه فمتى أدرك ثأري منه فلمّا اجتمع هوازن بحنين قصدتهم لأجد منهم غرّة فأقتله ودبرت في نفسي كيف أصنع، فلمّا انهزم الناس وبقي رسول اللّه مع النفر الذين بقوا معه، جئت من ورائه ورفعت يدي بالسيف حتّى إذا كدت أنّ أخبطه غشي فؤادي فلم أطق ذلك فعلمت أنّه ممنوع » .

و روي أنّه قال: «وقع لى شواظ من نار، حتّى كاد أن يمحشني» ثمّ التفت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله فقال لى: «ادن يا شيبة فقاتل» ووضع يده في صدري، فصار أحبّ الناس إليّ، فتقدّمت وقاتلت بين يديه، ولو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله فلمّا انقضى القتال دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله فقال: الذي أراد اللّه بك خير ممّا أردته بنفسك، وحدّثني بجميع ما رويته في نفسي. فقلت: ما اطّلع على هذا أحد إلّا اللّه، وأسلمت‏ .

وهذا نظير ما رواه إبراهيم بن محمد بن شرحبيل، عن أبيه، قال: كان نصر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ يصف شدّة عداوته التي كانت للنبيّ وما قدّر في نفسه من مخالفة الإسلام، وأن ذلك تأكّد بقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أخاه صبرا، ثم ذكر حضوره بدرا، فقال:

فرأيت قلّة أصحاب النبيّ وكثرة قريش، فلمّا نشب القتال رأيت أصحاب محمّد أضعاف قريش وانهزمت قريش، ورأيت يومئذ رجالا على خيل بلق بين السماء والأرض معلّمين يأسرون ويقتلون فهربت مرعوبا.

ثمّ ذكر خروجه إلى هوازن في جملة النبيّ عليه السلام ليصيب منه غرقا، قال: فلمّا انهزم المسلمون صمدت لرسول اللّه، فإذا هو في وجه العدوّ واقف وعلى بغلة شهباء وحوله رجال بيض الوجوه فأقبلت عائدا إليه فصاحوا بي إليك إليك. فرعب فؤادي وارعدت جوارحي وقلت: هذا مثل يوم بدر، انّ الرجل لعلى حقّ وإنّه لمعصوم، فأدخل اللّه تعالى قلبي الإسلام. قال: ثمّ التقيت بالنبي عليه السلام بعد رجوعه من الطائف، فحين رآني قال: النضر قلت: لبّيك يا رسول اللّه، فقال: هذا خير لك ممّا أردت يوم حنين ممّا حال اللّه بينك وبينه‏ .

ومن ذلك أنّه عليه السلام لما كان محاصرا لأهل الطائف، قال عتيبة بن حصين: يا رسول اللّه! ائذن لي حتى آتي إلى حصن الطائف فاكلّمهم، فأذن رسول اللّه له، فجاءهم فقال: ادنوا منكم وأنا آمن؟ فقالوا: نعم، وعرفه أبو محجن، فقال: ادنوه، فدخل عليهم الحصن، فقال: فداكم أبي وأمّي واللّه لقد سرّني ما رأيت منكم، واللّه ما في العرب أحد غيركم، واللّه ما لاقى محمّد مثلكم، ولقد ملّ المقام، فاثبتوا في حصنكم، فانّ حصنكم حصين وسلاحكم كثير ونبلكم حاضر وطعامكم كثير وماءكم وافر وأنتم لا تخافون قطعه. فلمّا خرج قال ثقيف لأبي محجن: فانّا كرهنا دخوله وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن راه فينا، أو في حصننا، فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به وليس منّا أحد أشدّ على محمّد منه وإن كان معه.

فلمّا رجع إلى رسول اللّه قال له: ما قلت لهم؟ قال: قلت ادخلوا في الإسلام فو اللّه لا يبرح محمد عقر داركم حتّى تنزلوا فخذوا لأنفسكم أمانا، فحذّرتهم ما استطعت، فقال له رسول اللّه: كذّبت، قلت لهم كذا وكذا.

وعاتبه أبو بكر على ذلك فقال: أستغفر اللّه يا أبا بكر وأتوب إليه لا أعود إلى مثلها أبدا .

ومن ذلك أنّه ضلّت ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله في توجهه إلى تبوك، فتفرّق الناس في طلبها، وعند رسول اللّه عمارة بن حزم، وكان في رحله زيد بن الصلت‏ وكان يهوديّا فأسلم ونافق، فقال زيد: يزعم محمّد أنّه نبيّ يخبركم عن أمر السماء ولا يدري أين ناقته فقال رسول اللّه: إنّ منافقا يقول: أ ليس محمّد يزعم أنّه نبيّ يخبركم بأمر السماء ولا يدري أين ناقته؟ واللّه ما أدري إلّا ما علّمني اللّه، وقد دلّني عليها وهي في الوادي في شعب كذا- شعب أشار إليه- حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا فأتوا بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال العجب لشي‏ء حدّثنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله آنفا عن مقالة قائل أخبره اللّه عنه قال كذا وكذا، فقال رجل ممّن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: زيد واللّه قائل هذه المقالة قبل أن يطلع علينا. قال: فأقبل عمارة على زيد بن الصلت‏ يجافي عنقه ويقول: واللّه إنّ في رحلي الداهية وما الذي أخرج يا عدوّ اللّه من رحلي‏ .

ومن ذلك أنّه بعث خالد بن الوليد من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى اكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل من كندة، وقال له إنّك تجده يضيد البقر فتأخذه، فجاءه ليلا فخرج خالد حتّى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمّرة صافية وهو على سطح له مع امرأته من الحرّ، فأقبلت البقرة تحك بقرونها باب الحصن، فقال اكيدر: واللّه ما رأيت بقرا فاجأتنا ليلا غير تلك الليلة، ولقد كنت اضمر لها الخيل إذا أردت أخذها شهرا أو أكثر، ثمّ ركب بالرجال والآلة، فلمّا انفصلوا من الحصن وخيل خالد تنظر إليهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرّك، فساعة انفصل أخذته الخيل‏ .

و لو أردنا أن نورد جميع ما روي من ذلك لطال به الكتاب، ولعلّه يتعذّر إيراد جميعه.

 

وأيضا فقد تضمّن القرآن الإخبار عن الغيوب في آيات كثيرة، يعرفها القارؤون له والعارفون بمعانيه، وهذه الأخبار المتضمّنة للغيوب لا يتصوّر أن يصدر جميعها على كثرتها اتفاقا وتبخيتا، فيعلم أنّ ما في القرآن منها صدر عن عالم الغيب والشهادة، وما أخبر به عليه السلام ممّا ليس في القرآن إنّما صدر منه بإعلام اللّه تعالى إيّاه واطلاعه عليه، ووحيه إليه.

فإن قيل: أليس المنجّم يخبر عن امور، فتوجد تلك الامور على ما أخبر عنها؟ وكذلك الكاهن وأصحاب الفأل والزجر؟

قلنا: المنجم لا يقول ما يقول ولا يخبر عمّا يخبر عنه إلّا عن طريق وذلك لأنّه تعالى جعل اتصالات النجوم وحركاتها دلالات على ما يحدث في العالم. فمن أحكم العلم بها أمكنه الوقوف عليه إما بعلم أو ظنّ وهذا ليس من الإخبار عن الغيوب. ومعلوم من حال الرسول عليه السلام أنّه ما كان تعلّم من هذا العلم شيئا ولا أتّهم به ولا رمي قطّ.

وأمّا الكاهن فانّه وإن كان يصيب في بعض ما يقول اتفاقا فقد يخطئ كثيرا، وهذه الاخبار كلّها صادقة.

وأمّا ما يقوله أصحاب الفأل والزجر فأبعد عن الصواب ممّا يقوله الكاهن فبطل ما قدح به السائل فيما استدلّ به على صدقه من إخباره عليه‏ السلام عن الغيوب.

 

 

معجزات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الإسراء والمعراج

إن معجزة الإسراء والمعراج معاً: حدثت لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وحده، أي لم يشهدها معه جمع من المؤمنين (من الأصحاب مثلاً) وخُرقت له فيها قوانين السماء، ذلك أن رسول الله هو البشر الوحيد الذي أسرى به الله سبحانه وتعالى، وهو البشر الوحيد الذي فُتحت له أبواب السماء حتى وصل إلى سدرة المنتهى بالجسدِ والروحِ معاً.

 

عدد معجزات الرسول

اختلف العلماء في تحديد عدد معجزات النبي _صلي الله عليه و سلم_  وقد ذكر النووي في مقدمة شرح مسلم أنّ معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف ومئتي معجزة، وذكر البيهقي في كتاب المدخل أنّها بلغت ألفاً، وقد اتفق الزاهدي معه في ذلك، ولكن بعض العلماء ذهبوا إلى القول بأنّها ثلاثة آلاف معجزة .

 

معجزات الرسول للاطفال

لتنزيل اضغط هنا

السابق
الفتوحات الاسلامية في شمال افريقيا
التالي
اعراض نقص السيلينيوم في الجسم