التاريخ الإسلامي

وصية رسول الله التي عليها خاتمه

وصية رسول الله قبل وفاته

كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- شديد الحرص على أُمته، فقد كان أمر المسلمين يشغل فكره في كلّ وقتٍ، حتى في أصعب الظروف والمواقف، فعندما دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- في مرض الموت، واشتدّ عليه الأمر، أوصى أمته بعددٍ من الوصايا، ومنها:

  • إخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفود: بعد أن اشتدّ الوجع برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وشعر بدنوّ الأجل، حتى كان يُغشى عليه في اليوم عدّة مراتٍ، أراد أن يكتب لأمته كتاباً تفصيلياً تجنّباً للخلاف فيما بينهم بعد وفاته، وليحذّرهم من الفتنة والضلال، ولكن عندما حدث خلافٌ بين من كانوا حوله، رجع عن الأمر، ووصّى الأمة بوصايا، كان منها: إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بمثل ما كان يجيزها هو، مصداقاً لما رُوي عنه، أنّه قال: (أخرِجوا المشرِكينَ من جزيرة العرب، وأجيزوا الوَفدَ بِنحو ما كنتُ أُجيزُهم).
  • الإحسان للأنصار: كان الأنصار من أشدّ الناس حباً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا بلغهم مرضه، اجتمعوا في أحد مجالسهم، يبكون حزناً واشتياقاً لرؤيته، فمرّ بهم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، فقال لهم: (ما يُبكيكم؟)، قالوا: (ذكرنا مجلس النبي -صلّى الله عليه وسلّم- منّا)، فتوجّه العباس -رضي الله عنه- إلى النبي، وأخبره بذلك، فخرج إلى المسجد عاصباً رأسه بعصابةٍ سوداء، ثمّ صعد المنبر، وكانت آخر مرةٍ يصعد فيها المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثمّ قال: (أوصيكم بالأنصارِ، فإنهم كَرِشي وعَيبَتي، وقد قَضَوا الذي عليهم وبَقيَ الذي لهم، فاقبَلوا من مُحسِنِهم وتجاوَزوا عن مُسيئِهم).
  • انتهاء مبشّرات النبوة إلّا الرؤيا: روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كشف الستار وهو معصوب الرأس في مرض موته، وقال: (اللَّهمَّ قد بلَّغتُ ـ ثلاثَ مرَّاتٍـ إنَّهُ لم يبقَ من مبشِّراتِ النُّبوَّةِ إلَّا الرُّؤيا الصَّالحةُ يراها العبدُ أو ترى لَه، ألا وإنِّي قد نُهيتُ عنِ القراءةِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ، فإذا رَكعتُم فعظِّموا ربَّكم وإذا سجدتُم فاجتَهدوا في الدُّعاءِ فإنَّهُ قمنٌ أن يستجابَ لَكم).
  • إحسان الظن بالله: فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنّه سمع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قبل وفاته بثلاثة أيامٍ، وهو يقول: (لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسنُ الظنَّ باللهِ عزَّ وجلَّ).
  • التحذير من اتخاذ قبره مسجداً: فكان من أواخر وصايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، التحذير من اتخاذ قبره للصلاة، حيث قال: (قاتَلَ اللهُ اليهودَ و النَّصارَى اتَّخذُوا قُبورَ أنْبيائِهِمْ مَساجِدَ، لا يَبْقَيَنِّ دِينانِ بِأرْضِ العَرَبِ).
  • المحافظة على الصلاة: أخبر أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ آخر كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان: (الصَّلاةَ وما ملكت أيمانُكم، الصَّلاةَ وما مَلَكت أيمانُكم)، حتى أخذ يغرغر بها صدره، ولا يفيض بها لسانه.

وصية رسول الله بالنساء

اهتمّ الإسلام بالمرأة، وأوصى النبيُّ بها وخاصّة في خطبة الوداع؛ إذ قام النبيّ خطيباً في الناس، ونادى بحقّ المرأة، وأوصى بها خيراً؛ فقال: (استَوصوا بالنِّساءِ خيرًا فإنَّهنَّ عندَكُم عَوانٍ)، وحذَّر من التقصير في حقّها؛ لأنّها أمانة من الله عند الرجل؛ فلا يجوز له الغدر بها، أو خيانتها، ومن وصايا النبيّ بها أنّه جعل المُحافظة عليها من ضرورات الإسلام الخمس؛ وإحداها حفظ العِرض، فلا يجوز قُربها إلّا بالزواج الشرعيّ الحلال، وممّا يؤكّد استمرار وصية النبيّ بالنساء إلى يوم القيامة أنّ الوصيّة منه جاءت بلفظ (استوصوا)؛ والذي يُفيد الاستمراريّة؛ أي ليُوصي منكم الآخر، فلو قال (أوصيكم)، لكانت الوصية مُقتصرة على زمن النبيّ والصحابة. وذُكِرَ في معنى الوصيّة أو الاستيصاء بالنساء في الأحاديث أنّه: الطلب بقبول الوصية؛ أي كأنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- يقول: “أوصيكم فاقبلوا هذه الوصية”، وممّا جاء في معنى الاستيصاء بالنساء: إرادة الخير للنساء، وفِعل الخير لهنّ،وهذه وصية عامّة، وخطاب مُوجَّه من النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- إلى كلّ رجل؛ سواء كان أباً، أو أخاً، أو زوجاً، أو ابناً، أو غير ذلك

 

وصايا الرسول ابن باز

قوله: قال ابنُ مسعودٍ: “مَن أراد أن ينظر إلى وصية محمدٍ ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا الآية [الأنعام:151- 153]”.

قوله: (ابن مسعود) هو عبدالله بن مسعود بن غافل -بمُعجمة وفاء- بن حبيب الهذلي، أبو عبدالرحمن، صحابي جليل من السَّابقين الأولين، وأهل بدر وأُحد والخندق وبيعة الرضوان، ومن كبار علماء الصحابة، أمَّره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين .

وهذا الأثر رواه الترمذي وحسَّنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني بنحوه.

وقال بعضُهم: معناه: مَن أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كُتبت وخُتم عليها فلم تُغير ولم تُبدل، فليقرأ قُلْ تَعَالَوْا .. إلى آخر الآيات، شبَّهها بالكتاب الذي كُتب ثم خُتم فلم يُزد فيه ولم يُنقص، فإنَّ النبي ﷺ لم يوصِ إلا بكتاب الله، كما قال فيما رواه مسلم: وإني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلوا: كتاب الله.

وقد روى عبادة بن الصامت قال: قال رسولُ الله ﷺ: أيُّكم يُبايعني على هؤلاء الآيات الثَّلاث؟ ثم تلا قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حتى فرغ من الثلاث الآيات، ثم قال: مَن وفَّى بهن فأجره على الله، ومَن انتقص منهنَّ شيئًا فأدركه اللهُ به في الدنيا كانت عقوبته، ومَن أخَّره إلى الآخرة كان أمرُه إلى الله: إن شاء آخذه، وإن شاء عفا عنه. رواه ابنُ أبي حاتم، والحاكم، وصحَّحه، ومحمد بن نصر في “الاعتصام”.

قلتُ: ولأنَّ النبي ﷺ لم يوصِ أمَّته إلا بما وصَّاهم اللهُ تعالى به على لسانه.

الشيخ: وفي “الصحيح” عن عبدالله بن أوفى أنه سُئل: هل أوصى النبيُّ؟ فقال: أوصى بكتاب الله.

المقصود أنَّ الله جلَّ وعلا أوصى بهذه الأشياء العشرة في الآيات، والرسول أوصى بالقرآن، فوصية الرسول بما أوصى الله به جلَّ وعلا، هو أوصى الأمة بالعمل بالقرآن، والتَّمسك بالقرآن: وإني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلوا، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، وقال: لن تضلوا إن تمسَّكتم به، فله أحاديث كثيرة بالوصية بالقرآن العظيم.

فالوصية بالقرآن عن الرسول ﷺ واقعة، والله أوصى بهذه الآية، فتكون الآيات وصية الله ووصية رسوله عليه الصلاة والسلام، ففيها النَّهي عن هذه الأشياء العشرة: أعظمها الشِّرك بالله، وفيها الوفاء بالعهد.

المقصود أنَّ هذه الأشياء التي فيها وصية الله وصية رسوله، فعلى الأمة أن تأخذ بها، وأن تستقيم عليها، وأنها صراط الله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153]، جعلها الصِّراط، قال تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151]، ثم قال جلَّ وعلا: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152]، ثم قال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153]، فدلَّ على أنَّ الالتزام بهذه الأمور هي صراط الله المستقيم فعلًا وتركًا: ترك الشِّرك، مع برِّ الوالدين، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقتل النفس، وقتل الأولاد، كل هذا مما حرَّمه الله .

وفيها أنَّ برَّ الوالدين من أعظم الواجبات، وعقوقهما من أقبح السَّيئات، هكذا مال الأيتام والعدوان عليه من أقبح السيئات، البغي بغير حقٍّ من أقبح السَّيئات، والتَّصرف فيهم بالإحسان من أفضل الحسنات.

كذا وفاء الكيل والميزان وعدم البخس من أهم الواجبات، والبخس من أقبح السَّيئات.

وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام:152] كذلك العدل في القضايا والحكم من أهم الواجبات، والجور من أقبح السَّيئات.

والعاشرة: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام:152]، ما عهد الله إلينا من توحيده والإيمان به، وما شرعه لنا يجب الوفاء به، يجب على الأمة أن تُوفي بعهد الله: ما عهد الله إليها من أوامر ونواهٍ يجب عليها أن تُوفي بها، فتأتي بالأوامر، وتفعل الأوامر، وعليها أن تنتهي عن النَّواهي، هذا عهد الله، والعبد متى تعقل وتذكر اتَّقى، قال في الآية الأولى: تَعْقِلُونَ، وفي الثانية: تَذَكَّرُونَ، وفي الأخيرة: تَتَّقُونَ؛ لأنَّ العبد متى عقل الأمور وتأمَّلها وتدبرها وتذكر، متى فعل ذلك هداه الله للتَّقوى، ووفَّقه للتَّقوى.

ولهذا شرع اللهُ لنا تدبر العقل، وتعقل القرآن، وتعقل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، والتَّعقل في الأمور والتَّدبر لها والتَّذكر من أسباب النَّجاة، من أسباب التَّوفيق، من أسباب الهداية.

 

 

السابق
هل الغفوة تنقض الوضوء .. أركان الوضوء بالتفصيل
التالي
هل مات السديس ؟ حقيقة وفاة السديس بكورونا